رواية أقدار رواية درامية نفسية اجتماعية واقعية جزء ١٠ - أنامل عربية


رواية أقدار - نرجس وفرح
مقابلة زياد الحاج لاول مرة

رواية أقدار عندما اقتربت الحقيقة

مرّت الأشهر بطيئة على فرح ونرجس. كانت حياتهما تمضي إلى الأمام، لكن قلبيهما بقيا عالقين عند صندوق العم إبراهيم، وعند الأسماء التي خرجت منه لأول مرة: صافي الجمال وزينة الحاج.

بعد اللقاء الذي جمعهما بالعم إبراهيم، وما كشفه لهما من أسرارٍ دفنتها السنوات، أدركت فرح ونرجس أن بعض الأسئلة لا تُجاب بالعجلة، وأن الزمن وحده قادر على أن يفتح الأبواب الموصدة.

 لذلك قررتا أن تعودا إلى حياتهما الطبيعية، مؤقتًا، ريثما تهدأ العاصفة في داخلهما، ويقودهما القدر إلى خيطٍ جديد يقربهما من والديهما.

لكن العودة إلى الحياة لم تكن عودةً إلى النسيان.

كانت كل لحظة هادئة تخفي خلفها سؤالًا مؤجلًا، وكل ضحكة صادقة يعقبها صمت طويل يذكّرهما بأن هناك مقعدين فارغين على مائدة القلب، لم يشغلهما أحد منذ اثنين وعشرين عاماً.

رواية أقدار - الأرض التي تُداوي القلوب

وجدت نرجس في الأرض ملاذاً يشبه روحها.

كانت تستيقظ مع أول خيوط الفجر، تمشي بين الأشجار كأنها تُحيّي أفراداً من عائلتها، تتحسس أوراق الزيتون، وتراقب السنابل وهي تميل مع النسيم، فتشعر أن الطبيعة وحدها قادرة على الإصغاء إلى ما تعجز الكلمات عن قوله.

أما وسام، فكان يشاركها ذلك الشغف الصامت. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يعرف كيف يزرع الطمأنينة في قلبها بابتسامة، أو بنصيحة صغيرة، أو بنظرة إعجاب صادقة كلما نجحت تجربة زراعية جديدة.

وبمرور الأيام، لم تعد لقاءاتهما تدور حول المحاصيل والأسمدة فحسب، بل أصبحت تمتد إلى الأحلام، والذكريات، والمستقبل.

وفي إحدى الليالي، جلسا فوق ربوة صغيرة تطل على المزرعة، بينما كانت السماء مرصعة بالنجوم.

قال وسام وهو ينظر إلى الحقول الممتدة أمامهما:

غريب .. كلما اعتنينا بالأرض أكثر، ردّت لنا الجميل أضعافاً.

ابتسمت نرجس وقالت بهدوء:

ليت القلوب تشبه الأرض.. يكفي أن نزرع فيها الخير حتى تثمر سلاماً.

نظر إليها طويلًا دون أن يجيب.

أدرك في تلك اللحظة أن الفتاة التي أحبها، رغم كل ما مرت به، ما زالت تؤمن بأن الحياة تستحق أن تُزرع من جديد.

رواية أقدار - نرجس
نرجس تعود لحياتها الطبيعية

رواية أقدار - بين الريشة والحلم 

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت فرح تخوض رحلة مختلفة.

كانت ترى العالم لوحةً واسعة تنتظر من يكتشف ألوانها.

برفقة طارق، راحت تتنقل بين المعارض الفنية، والأحياء القديمة، والأسواق الشعبية، والسواحل الهادئة، تجمع من كل مكان قصة، ومن كل وجه ملامح لوحة جديدة.

كان طارق يؤمن أن الفن لا يولد داخل المرسم، بل يولد من الناس، ومن الشوارع، ومن الألم، ومن الفرح، ولذلك كان يصحبها إلى الأماكن التي لا يقصدها الفنانون عادة.

وهناك، بين ضجيج المدن وصمت الطبيعة، كانت موهبتهما تنضج شيئاً فشيئاً، كما كانت مشاعرهما تكبر دون ضجيج.

لم يكن حبهما قائماً على الكلمات الكثيرة، بل على الإيمان المتبادل بأحلام كل منهما، وعلى ذلك الشعور الجميل بأن النجاح يصبح أجمل حين يشاركك أحد فرحتك.

أما أيام العطل، فكانت موعداً لا يكاد يتخلف عنه أحد.

يجتمع الأربعة في المزرعة، يتناولون الغداء مع نبيل وبثينة، ثم تتوزع الأحاديث بين الفن والزراعة، وبين المشاريع المستقبلية والذكريات الطريفة.

كانت بثينة تراقب نرجس وهي تضحك من قلبها، فتبتسم في صمت، بينما ينظر نبيل إليها أحياناً بعينين يغمرهما الامتنان.

لقد كان يخشى، منذ اليوم الذي عرف فيه الحقيقة، أن تخطفهما الأيام منه.

لكن نرجس لم تتغير.

كانت ما تزال تناديه: "أبي"، وتستشيره في أصغر تفاصيل حياتها، وتقبّل رأسه كل صباح كما اعتادت منذ طفولتها.

وحين يراها تفعل ذلك، كان يشعر أن الأبوة لا تصنعها الأوراق الرسمية، بل تصنعها سنوات من الحب الصادق.

وكذلك كان حال أشرف وجمانة مع فرح.

لم تتغير نظرتها إليهما، ولم ينقص امتنانها لهما بعدما عرفت الحقيقة.

بل ازداد احترامها لكل تضحية قدماها في سبيلها، حتى أصبحت تشعر أن قلبها اتسع لعائلتين بدلًا من واحدة.

ومع مرور الأيام، أدرك الأربعة أن مشاركة الأحزان تجعلها أخف، وأن تقاسم التفاصيل الصغيرة يمنح الحياة معنى لا تصنعه الإنجازات وحدها.

فحين يتعب أحدهم، يجد الثلاثة الآخرين بانتظاره.

وحين ينجح، يحتفل الجميع بذلك النجاح وكأنه نجاحهم جميعاً.

وهكذا، أصبحت المحنة التي جمعتهم سبباً في ولادة أسرة جديدة، أساسها الصدق، والدعم، والوفاء.

وفي الوقت نفسه، واصلت فرح ونرجس البحث في تاريخ العائلتين.

قرأتا ما كُتب عن شركات آل الجمال وآل الحاج، وسألتا كبار السن ممن عاصروا تلك السنوات، حتى بدأتا تكتشفان أن الزمن قد غيّر أشياء كثيرة.

فالسوق لم يعد كما كان.

وأصبحت كبرى الشركات تبني نجاحها على الشراكات والتحالفات، لا على الصراعات القديمة.

أما ملحم الجمال وزياد الحاج، فقد أنهكتهما السنون.

لم تعد المنافسة تشغل تفكيرهما كما في الماضي، لكن الكبرياء ظل يحرس المسافة بينهما.

كان كل واحد منهما يتمنى انتهاء الخصومة، لكنه كان ينتظر أن يبدأ الآخر بخطوة الاعتذار.

وهكذا بقيت سنوات العمر تمضي، بينما بقيت كلمة واحدة حبيسة العناد.

رواية أقدار - العائلة
عائلة نبيل وعائلة اشرف

رواية أقدار - الأيام التي رممت الأرواح 

أما فرح ونرجس، فلم تكونا ترغبان في الانتقام، ولم تحملا في قلبيهما ضغينة تجاه أحد.

لقد أيقنتا أن الكراهية لا تورث إلا كراهية، وأن الجراح لا تلتئم بجراح جديدة.

كانتا تؤمنان بأن ما عجز عنه الآباء، ربما يستطيع الأبناء إصلاحه.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد غايتهما البحث عن الحقيقة فحسب، بل إعادة وصل ما انقطع، ورأب الصدع الذي مزق العائلتين طويلًا.

كانتا تعلمان أن الطريق شاق، وأن المصالحة تحتاج إلى شجاعة تفوق شجاعة الخصام.

لكنهما قررتا أن تكونا أول من يمد يده.. مهما طال الانتظار.

وفي إحدى الأمسيات، دخل أشرف إلى المنزل على غير عادته. كان وجهه متجهماً، و خطواته متسارعة.

رفعت جمانة رأسها وقالت بقلق:

ماذا حدث؟

نظر أشرف حوله ثم قال:

أين فرح؟

خرجت فرح من غرفتها وهي تحمل بعض الرسومات.

أنا هنا يا أبي.

تردد قليلاً قبل أن يقول:

لدي خبر عن جدك.

شعرت فرح بانقباض مفاجئ في صدرها.

جدي؟

زياد الحاج.. نُقل إلى المستشفى.

شهقت دون إرادة منها.

ماذا أصابه؟

نوبة قلبية.

ساد الصمت للحظات.

لم تكن تعرف الرجل، لكنها شعرت بخوف حقيقي عليه، وكأن الدم الذي يجري في عروقها تذكر صاحبه فجأة.

قال أشرف بهدوء:

أعتقد أن هذه فرصة مناسبة.

فرصة لأي شيء؟

لتريه بعينيك.

ظلت تنظر إليه دون كلام.

اذهبي أنتِ ونرجس. لا تخبراه من تكونان. فقط شاهدا الرجل الذي غيّر مصير عائلتكما كلها.

في تلك الليلة لم تنم أي من الشقيقتين جيداً.

كان السؤال الذي يؤرقهما واحداً:

كيف يبدو وجه الرجل الذي حُرمت أمهما بسببه من حياتها؟

رواية أقدار - لقاء على حافة الأسرار

في صباح اليوم التالي، وقفت نرجس أمام المرآة طويلاً.

لم تكن تختار ثيابها.

كانت تختار الانطباع الأول الذي سيبقى في ذاكرة جدها إن رآها.

أما فرح فكانت ترتب باقة من الزهور البيضاء بعناية شديدة.

قالت لها نرجس مبتسمة:

كأنك ذاهبة لمقابلة شخص تعرفينه منذ سنوات.

أجابت فرح بصوت خافت:

ربما أعرفه أكثر مما أتصور.

عندما وصلتا إلى المستشفى، وقد كانت مستشفى خاص يملكها زياد الحاج، أدركتا فوراً أن ثروة عائلة الحاج لم تكن مجرد قصص.

كان المبنى أشبه بفندق فاخر.

الأرضيات اللامعة، والثريات المعلقة، والحدائق الأنيقة الممتدة أمام المدخل.

نظرت فرح حولها وهمست:

يبدو أن أمي كانت تعيش في عالم مختلف تماماً.

أومأت نرجس دون أن تتكلم.

كانت تفكر بشيء آخر:

هل مرت زينة من هذا المكان يوماً وهي تحملهما في أحشائها؟

لم تكن فرح ونرجس تعرفان أن الطريق إلى الحقيقة سيكون بهذا الثقل.

منذ لحظة دخولهما المستشفى، كان كل شيء يبدو أكبر من قدرتهما على الاحتمال؛ الجدران اللامعة، الخطوات السريعة للممرضين، والهمسات التي تمرّ كأنها أسرار لا يحق لهما فهمها.

قالت نرجس بصوت منخفض وهي تتقدم:

أشعر أنني أدخل مكاناً ليس لنا.

لم تجب فرح، لكنها كانت تشعر بالشيء نفسه… كأن قلبها يسبقها بخطوة ويعود متردداً في كل مرة.

استوقفهما موظف أنيق عند المدخل.

كيف أستطيع مساعدتكما؟

قالت نرجس:

جئنا لزيارة السيد زياد الحاج.

رفع الرجل حاجبيه باستغراب.

هل بينكم معرفة سابقة؟

أجابت فرح بسرعة:

والدنا كان يعرفه منذ سنوات، وعندما سمعنا بمرضه أردنا الاطمئنان عليه.

اتصل الموظف بأحد موظفي الاستعلامات ثم عاد بعد دقائق.

يمكنكم الدخول.

عند مكتب الاستقبال، سُئلتا للمرة الثانية:

ما صلة القرابة؟

تجمدت فرح للحظة. هذا السؤال البسيط كان كافياً ليعيد ترتيب العالم كله داخلها.

ثم أجابت بسرعة قبل أن ينكشف ارتباكها:

أصدقاء قدامى للعائلة.

لم تكن كاذبة تماماً… لكنها لم تكن صادقة أيضاً.

حين صعدتا إلى الطابق الثالث، كان الهواء مختلفاً.

ثقيلًا. مشحوناً بشيء لا يُرى.

في الممر، رأت نرجس وجوهاً لا تعرفها، لكنها شعرت فجأة أنها تشبه شيئاً عميقاً بداخلها.

ما إن خرجتا من المصعد حتى تجمدتا في مكانهما.

كان الممر مزدحماً بأفراد العائلة. رجال ببدلات أنيقة. ونساء يتحركن بقلق. وأحاديث خافتة تدور في كل اتجاه.

للحظة شعرت فرح بأنها اقتحمت عالماً لا يخصها. عالماً كان ينبغي أن تنتمي إليه منذ ولادتها.

اقرأ ايضا: قصة حين يزهر الصمت - قصص قصيرة

رواية أقدار - الضيفتان المجهولتان

ثم تقدمت امرأة في أواخر الخمسينيات بخطوات هادئة.

كانت أنيقة بصورة لافتة. وما زال الزمن يحتفظ لها بالكثير من جمالها.

نظرت إليهما بابتسامة لطيفة وقالت:

هل جئتما لزيارة زياد؟

تبادلَت الشقيقتان نظرة سريعة. كلاهما أدرك الحقيقة في اللحظة نفسها.

هذه هي ليلى. جدتهما.

لم تكن بحاجة إلى سؤال. كان في وقفتها ما يكفي ليقول كل شيء.

ليلى الحاج. لكن الحقيقة كانت أكبر من أن تُقال.

ابتسمت ليلى وقالت:

من أنتما يا ابنتي؟

ارتجفت فرح.

“ابنتي…”

كلمة واحدة فقط، لكنها أصابت شيئاً دفيناً داخلها لم تعرف أنه ما زال حياً.

أجابت نرجس بصوت مهتز:

جئنا للاطمئنان على السيد زياد.

لم ترفع ليلى صوتها، لكنها حدقت فيهما بتمعّن أطول من الطبيعي.

ثم قالت ببطء:

لا أعرف لماذا… أشعر أن وجهيكما مألوف.

تبادلت الفتاتان نظرة سريعة. كان الصمت بينهما ممتلئاً بكل ما لا يمكن قوله.

حدقت ليلى في وجهيهما للحظات طويلة. طويلة أكثر مما ينبغي. وكأن شيئاً غامضاً شد انتباهها.

ثم قالت مكررة كلامها:

غريب... أشعر أنني رأيتكما من قبل.

ارتجف قلب فرح.

أما نرجس فابتسمت بتوتر.

لا أظن ذلك يا سيدتي.

دخلتا الغرفة. وكان زياد الحاج مستلقياً على السرير. بدا أكبر سناً مما تخيلتاه.

وأضعف. وأقل هيبة. وأشد إنسانية. كان المرض قد جرّد الرجل من الكثير من قوته.

ولأول مرة لم تريا رجل الأعمال المخيف الذي سمعا عنه من العم إبراهيم.

بل شيخاً متعباً تحيط به عائلته.

رفع رأسه عندما رآهما. ثم ابتسم. ابتسامة دافئة لم تكونا مستعدتين لها.

كان زياد الحاج هناك. الرجل الذي لم تعرفاه إلا من حديث العم إبراهيم… أصبح فجأة واقعاً.

كان مستلقياً، لكن حضوره رغم المرض كان طاغياً بطريقة مختلفة؛ ليس قوة، بل هيبة رجل عاش عمراً كاملًا في قرارات ثقيلة.

رفع نظره نحوهما. ابتسم.

تفضلن يا بناتي.

توقفت أنفاس فرح لثانية. هذه الكلمة لم تكن عابرة.

كانت كأنها خرجت من مكان يعرف شيئاً لا يعرفه صاحبها.

جلست نرجس قربه، بينما بقيت فرح واقفة قليلًا، كأن قدميها لا تقرران بعد إن كانت تنتمي لهذا المكان أم لا.

وقال:

أهلاً بكما يا ابنتيّ.

ارتعشت فرح من الداخل. كم كانت تتمنى أن تسمع هذه الكلمة منه منذ طفولتها.

سألهما عن اسميهما.

وحين قالتا:

فرح.. ونرجس.

ظل يردد الاسمين كأنه يتذوقهما.

ثم قال مبتسماً:

اسمان جميلان. جميلان جداً.

لا تعرفان لماذا، لكن هذه الجملة البسيطة كادت تدفعهما إلى البكاء.

قال زياد وهو يتأملهما:

غريب… أشعر أنني رأيتكما من قبل.

صمتت نرجس.

أما فرح فشعرت بشيء يشبه السقوط الداخلي. لو أنه فقط يتذكر… لو أنه فقط يعرف…

لكن لا. ليس بعد.

اقرأ ايضا: قصة يوميات الطبيبة سماح الجزء التاسع- قصص قصيرة

رواية أقدار - يا جدي على بعد كلمة واحدة

وبينما كان الحديث يدور، نسيت فرح نفسها للحظة.

وقالت بعفوية:

أتمنى أن تتماثل للشفاء بسرعة وأن تحضر معرضي يا جدي.

ساد الصمت. التفت الجميع نحوها. بقيت ساكنة في مكانها لا تتحرك.

أما زياد فحدق فيها بدهشة.

ثم ابتسم ببطء.

يا جدي؟

احمرّ وجه فرح فوراً.

وقالت مرتبكة:

أقصد.. لأنك في عمر جدي تقريباً.

انفجر صادق ضاحكاً.

أما ليلى فابتسمت للمرة الأولى منذ دخولهما.

وقال زياد وهو يضحك بخفة:

لا بأس.. أعجبتني الكلمة.

في تلك اللحظة بالذات شعرت فرح بوخزة مؤلمة في قلبها.

لأن الرجل الذي نادته "جدي" دون قصد..

كان جدها فعلاً.

رددها في داخله دون أن ينطقها.

بينما كانت فرح تشعر أن قلبها ينكسر بصمت.

لأنه لأول مرة… كانت قريبة جداً من الحقيقة، دون أن تجرؤ على لمسها.

ساد الصمت في الغرفة بعد كلمة “جدي”.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن عادياً. كان ممتلئاً بشيء ثقيل، كأن الهواء نفسه توقف ليستمع.

زياد لم يعلق فوراً. ظل ينظر إلى فرح.

نظرة أطول مما يجب. ليست نظرة رجل عجوز لفتاة شابة…

بل نظرة شخص يحاول أن يسترجع صورة ضاعت منه في زمن بعيد.

ثم قال بهدوء غير مفهوم:

 إذا تحسنت صحتي سنأتي أنا وزوجتي للمعرض، غريب… كلما نظرت إليكما أشعر أن قلبي يتصرف قبل عقلي.

تبادلت ليلى نظرة سريعة معه.

شيء ما في صوته لم يعجبها… أو أقلقها. أما فرح، فشعرت بقشعريرة خفيفة.

لماذا قال ذلك؟ ولماذا شعرت أن الجملة ليست عادية؟

اقتربت ليلى من السرير وقالت محاولة كسر التوتر:

ربما لأنهما شابتان لطيفتان، وهذا يذكرك ببنات العائلة في الماضي.

ابتسم زياد ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.

ربما…

ثم أضاف فجأة، وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر من الآخرين:

أحياناً… بعض الوجوه لا تأتي من الفراغ.

تأثرت نرجس. أما فرح، فشعرت بأن قلبها يسقط إلى الأسفل ببطء. لم يكن هذا حديثاً عادياً.

كان شيئاً أقرب إلى إحساس… لا تفسير له.

في تلك اللحظة، تحرك صادق من مكانه وهو يراقبهما بعينين ضيقتين.

  • من أنتما بالضبط؟ سؤال بسيط، لكنه خرج بنبرة مختلفة.

لم تجب نرجس فوراً.

لأول مرة، شعرت أن الكذبة التي اخترعتها لم تعد كافية.

لكن ليلى قاطعت بسرعة:

  • صادق، لا داعي للأسئلة الكثيرة.

ثم التفتت إلى الفتاتين بابتسامة خفيفة، لكنها كانت حذرة:

  • يبدو أنكما أثرتما فضول العائلة.

في تلك اللحظة، مدّ زياد يده ببطء نحو طاولة جانبية.

أخذ كأس الماء، لكنه لم يشرب فوراً.

ظل ممسكاً به، وكأنه يفكر في شيء بعيد جداً.

ثم قال بصوت منخفض:

  • لدي شعور غريب… أن وجهيكما ليس جديداً عليّ تماماً.

سقطت الكلمات في الغرفة كحجر في ماء هادئ.

لكن هذه المرة… لم يخرج أي ارتداد. فقط صمت أثقل من السابق.

ارتبكت فرح، ونظرت إلى نرجس بسرعة.

كانت تلك النظرة بينهما تقول كل شيء:

“هل اقتربنا أكثر مما يجب؟”

في تلك اللحظة، التفتت ليلى نحو الباب وقالت بحزم لطيف:

  • أظن أن الزيارة انتهت الآن، يجب أن يرتاح زياد.

لكن قبل أن يخرجن، رفع زياد عينيه مرة أخيرة نحو فرح تحديداً.

وقال جملة بطيئة، غير متوقعة:

  • لو كنت أعرفكم من قبل… لا أظن أني كنت سأنساكم بسهولة.

توقفت فرح عند الباب. لم تلتفت. لكن يدها ارتجفت.

ولأول مرة منذ بداية الرحلة…شعرت أن الحقيقة ليست بعيدة فقط.

بل بدأت تقترب منها من داخل الغرفة نفسها.

رواية أقدار - الجد زياد
مرض زياد الحاج


رواية أقدار - وجوه تعرفها القلوب

أغلِق باب الغرفة خلف الفتاتين، وبقيت ليلى تحدق نحو الباب لثوانٍ طويلة، وكأنها تنتظر أن يعود شيء خرج معهما.

قطع صادق الصمت قائلاً:

من الغريب أن يأتيا كل هذه المسافة لمجرد الاطمئنان على أبي.

لم تجب ليلى في البداية، ثم قالت وهي ما تزال تنظر إلى الباب:

نعم.. غريب.

رفع زياد رأسه مبتسماً،  ربما كان والدهما يعمل عندنا منذ سنوات.

هزّت رأسها ببطء.

أنا أحفظ معظم الموظفين القدامى.. ولم أسمع باسم أشرف وليد من قبل.

ساد الصمت للحظة.

ثم قالت وهي تسترجع تفاصيل اللقاء، وهناك شيء آخر لم يعجبني.

نظر إليها زياد وصادق في آن واحد.

  • ماذا؟

قالت بهدوء:

  • لم تكونا تتصرفان كضيفتين.

استغرب صادق. ماذا تقصدين؟

اقتربت ليلى من النافذة وقالت: عندما دخلتا الغرفة.. لم تنظرا إلى الأجهزة الطبية ولا إلى الممرضات، بل كانتا تنظران إلينا نحن.. وكأنهما تحفظان ملامحنا.

تبادل الأب والابن النظرات.

وأضافت: والفتاة التي اسمها فرح.. عندما كنت أساعدك في شرب الماء، كانت تراقبني بطريقة غريبة... ليست نظرة فضول.. بل نظرة شخص يحاول أن يتذكر وجهاً ضائعاً.

ابتسم زياد قائلاً: أنتِ تبالغين في التحليل كالعادة.

التفتت إليه وقالت بثقة: ربما..

ثم سكتت لحظة قبل أن تضيف: لكن قلبي نادرًا ما يخطئ في الناس.

ساد الصمت مرة أخرى.

قطعَه صادق قائلاً: أكثر ما استغربته.. كلمة "يا جدي".

تنهدت ليلى. نعم.. حاولت تداركها سريعاً.. لكن الكلمة خرجت بعفوية.

قال زياد مبتسماً: فتاة صغيرة أخطأت في التعبير.. لا أكثر.

لكن ليلى لم تقتنع.

جلست على المقعد، وأخذت تقلب بطاقة معرض الرسم التي أعطتها فرح لهم بين يديها.

ظلت تنظر إلى الاسم المكتوب عليها.

"فرح اشرف وليد."

همست لنفسها: لا أعرف لماذا.. أشعر أن هذه ليست آخر مرة سأرى فيها هاتين الفتاتين.

رفع صادق كتفيه وقال: أمي.. أنتِ تصنعين من زيارة عابرة قصة كاملة.

ابتسمت ابتسامة خافتة، لكنها لم تُجبه.

كانت حدسها يهمس لها بأن وراء هاتين العينين حكاية لم تُروَ بعد.

قالت ليلى في سرها: "غريب.. هذه الابتسامة.. أين رأيتها من قبل؟"


يتبع..


رأيك يهمنا

أحدث أقدم